السيد محمد تقي المدرسي

29

من هدى القرآن

- مع كون الشاعر في نظر العرب أعلى ثقافة من الآخرين - على تنازلهم عن التهمتين الأخريين الماضيتين أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ولكن الرسول يختلف عن الشاعر ، ورسالته ليست شعرا للأسباب الأساسية التالية : 1 - إن الشاعر - وفي ذلك العصر بالذات - يعتبر تعبيرا بليغا عن الثقافة القائمة ، في حين أن الرسالة خارجة عن إطار الثقافة الفاسدة الواقعية الشائعة في المجتمع ، والذي يقرأ أشعار العرب يلاحظ فيها وبوضوح تعبيرا صريحا عن الروح القبلية ، وعن الأضغان والفرقة وسائر مفردات الثقافة القائمة على الواقع ، كقول الفرزدق : أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع أو كقول جرير : فغض الطرف إنك من نُمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا 2 - إن الشعر يعبِّر في كثير من الأحيان عن المصالح والأهواء الشخصية ، والرسالة كلها قيم ، وربما تعارضت مع شهوات الإنسان . 3 - إن الشعراء عندهم ثقافة ولكنها لا تستمر مع الزمن وعبر الأجيال ، أما الرسول فخطه يبقى أبدا ، والمستقبل لرسالته التي لا تبلى ، ولا يتجاوزها تقدم البشرية ، ولعل السبب في ذلك أن الشاعر ثقافته مربوطة به تموت عند موته أو بعده بقليل ، والرسالة يرعاها الله ، وليست متصلة بشخص الرسول حتى تذهب بذهابه ، ولذلك أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بتحدي الكفار والمراهنة على أن المستقبل في صالحه ولرسالته . قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ والتربص هو الانتظار ، ولكن مع توقع شيء ما يحدث ، ومنه قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 226 ] ، الكفار ينتظرون نهاية للرسالة بموت النبي صلى الله عليه وآله في أي لحظة ، ويعلم النبي أن الرسالة تزداد على الزمن بهاء وإشراقا . [ 32 ] ثم يأتي القرآن على بيان المنطلقات الحقيقية للكفر بالرسالة مؤكدا أن التهم التي وجهوها للرسالة لا أساس لها حتى عند أصحابها ، بل جاؤوا بها رغبة عن الحق ، وتهربا من المسؤولية أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا والحِلْم هو الجانب العملي من العقل ، والحليم الذي يستخدم عقله في مواقفه وأفكاره فلا ينطلق في أي موقف أو حكم من ردات الفعل وإثارة المواقف المضادة ، والكفار - بوصفهم بشراً - لديهم مناهج عقلانية ولكنهم خرجوا عن دائرتها